أحمد الشرباصي

74

موسوعة اخلاق القرآن

لكأن التواضع أمانة غالية مودعة لدى أنبياء اللّه ورسله ، فهم يحرسونها ويحرصون عليها لتبقى وتدوم . * * * ولقد تجلت شواهد التواضع من سلف هذه الأمة بصورة رائعة باهرة ، فعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يلبس المرقّع ، ويحمل الدقيق للمرأة العجوز ، وينفخ على النار لينضج الطعام للأطفال الفقراء ، ويطلي إبل الصدقة حتى تبرأ من مرضها ، ولقد دعا الناس ذات يوم إلى الاجتماع في المسجد ، ثم وقف يخطب ويقول بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله : « أيها الناس ، لقد رأيتني أرعى الغنم على خالات لي من بني مخزوم ، فأقبض القبضة من التمر والزبيب فأظل بها يومي » . ثم نزل ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين ، ما زدت على أن عبت نفسك . فقال له عمر : ويحك يا ابن عوف ، إني خلوت بنفسي فحدثتني فقالت : أنت أمير المؤمنين ، فمن ذا أفضل منك ؟ . فأردت أن أعرّفها نفسها . وقال عروة : رأيت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، على عاتقه قربة ماء ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا ينبغي لك هذا ، فقال : لما أتاني الوفود سامعين مطيعين ، دخلت نفسي نخوة فأردت أن اكسرها . وتفاخرت قريش عند سلمان الفارسي ، فقال متواضعا : « لكنني خلقت من نطفة قذرة ، ثم أعود جيفة منتنة ، ثم آتي الميزان ، فإن ثقل فأنا كريم ، وإن خفّ فأنا لئيم » . وهذا هو الخليفة العادل خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز يضرب الأمثلة الرائعة في التواضع وهو خليفة ، فثيابه تقدّر باثني عشر درهما ، وكان عنده بعض جلسائه ، فاحتاج السراج إلى إصلاح فقام إليه عمر فأصلحه ، فقال له من معه : كنا نكفيك ذلك . فقال : ليس من كرم الرجل أن يستخدم